الشيخ السبحاني

51

مفاهيم القرآن

محله أنّ الكثير قابل للانتزاع من الواحد من حيث أنّه واحد وإن كان الواحد من حيث أنّه واحد لا يمكن انتزاعه من الكثير بما هو كثير . وثانياً : فبالحل : فإنّ ما ذكره من أنّ المفهوم من كونه قادراً غير المفهوم من كونه عالماً وان كان صحيحاً لكن ما رتّب عليه من قوله « والحقيقة الواحدة لا تكون عين الحقيقتين ، لأنّ الواحد لا يكون نفس الاثنين » غير صحيح ومنشأ الاشتباه هو الخلط بين التغاير المفهومي والتغاير الخارجي فكلّ مفهوم يستحيل أن يكون في عالم المفهومية نفس المفهوم الآخر ، فلو قال قائل زيد موجود وأراد إنّ نفس مفهوم المسند إليه نفس مفهوم المسند فقد أخطأ خطأً عظيماً ، وليس مفاد الحمل الشائع الحكاية عن الوحدة في عالم المفهوم ولو أراد الرازي هذا لصحّ قوله : « الواحد لا يكون نفس الاثنين » . وأمّا لو أراد الحقيقة الخارجية فهو غير صحيح إذ لامانع من أن يكون شيء واحد بما هو واحد مصداقاً لمفهومين مختلفين ، وقد عرفت أنّ كلّ موجود امكاني كلّه معلوم للَّه سبحانه ، كما أنّ كلّه مقدور ، وليست حيثيّة المعلوميّة مغايرة للحيثيّة المقدوريّة وإلّا يلزم ان يكون جهة المعلوميّة خارجة عن اطار قدرته ، أو العكس . قال الحكيم السبزواري : « اختلط عليهم المفهوم والمصداق فيرون اختلاف المفاهيم ويتوهّمون اختلاف وجودها ومصداقها بحسبها ، وكأنّهم لم يقرع أسماعهم جواز انتزاع مفاهيم مختلفة من مصداق واحد وهذا نظير أنّه يصدق عليك إنّك مقدور للَّه ومعلوم ، ومراد ومعلول له ، وأنّك مشخص واحد ، ولا يمكنك أن تقول : أنا مقدور من جهة ، ومعلوم من جهة أخرى مثلًا ، إذ يلزم أن تكون حيثيّة مقدوريتك غير معلومة له مع أنّه لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة وحيثيّة معلوميتك غير مقدورة له مع ثبوت عموم قدرته ، فظهر أنّ اتّحاد مفاهيم كثيرة في الوجود والمصداق واقع » « 1 » .

--> ( 1 ) . شرح المنظومة للحكيم السبزواري ص 154 - 155 .